التسميات

02 يونيو 2009

التركـة الثـقيلة للحروب


* محمد الحكيمي
لا تؤول الحروب عادة إلى نصر تام ، مهما خرج فيها طرف متفوقاً على الآخر ، ففي النهاية ثمة ثمن فادح للغاية ، ذلك أن ساحة المعركة الحقيقية التي تحدد النصر أو الهزيمة ليست الجغرافيا فحسب .. وإنما الاقتصاد.
يتحدث احد التجار في محافظة صعده بنوع من القهر ، وهو يروي سجل الخسائر التي تكبدتها تجارته خلال خمس حروب اندلعت معاركها بين جماعة الحوثي والقوات اليمنية في مناطق مختلفة في صعده .
يقول هذا التاجر ( رفض ذكر اسمه ) : " الخسارة التي أتكبدها حتى الآن ، لا يلتفت لها الناس ، لقد فرضت عليَ الحرب في صعده دفع الكثير، وقد تم نهب وتدمير عدد كبير من ممتلكاتي أثناء الحرب ، ولأني تاجر، لا يتم احتسابي متضرراً " .

19 مايو 2009

معابد المستهلكين



* محمد الحكيمي 
لعل آخر ما يتبادر إلى الذهن عن وظيفة مراكز التسوق التجارية، هو أنها أفضل طريقة للسيطرة على الناس من خلال وضعهم تحت قبة وخلف أبواب مغلقة. بيد أن الوظيفة الحقيقية هي أنها تجعل الجميع تحت سيطرة السلع.
بالنسبة لصنعاء ، تبدو مجمعات السوق أشبه بنسخة عصرية حديثة من أسواق صنعاء القديمة، أو من سوق الملح بالتحديد. غير أن هذا الأمر يأتي في السياق التاريخي صائباً أكثر من حضوره على أرض الواقع، فـبمجرد النظر يكتشف المرء أن البون شاسع.
لقد اتسعت صنعاء اليوم، وأفرزت مع اتساعها أنماطاً جديدة من ضروريات الحياة اليومية للناس، والتي كانت منذ نشوئها نوعاً من الترف المقتصر على شريحة خاصة من السكان، لكن الواقع تغير للغاية، فأدوات الترف صارت اليوم للجميع ضرورة فوق العادة.
أهم تلك الأمور تأتي مراكز التسوق ومجمعاتها، أو ما يسميه المتسوقون "المولات". كانت هذه المولات تعكس بالنسبة لسكان صنعاء قبل عقدين من الزمان نمطاً من أنماط الثقافة الغربية، فالجميع في صنعاء لم يكن يتصور أن أسواق السلع ستصبح متاجر متراصة تحت سقف واحد تتعدد فيه كل أنواع السلع والبضائع على اختلاف أنواعها وأحجامها.
لكن الثقافة التي فرضتها مراكز التسوق ومجمعاتها على السكان، شكلت للجميع سبر أفكار جديدة وقيم مجتمعية لم يعتدها المتسوقون، المرأة مثلاً لم تكن تحظى بخصوصية تامة للتجول في مكان مغلق تم تخصيصه لكل مستلزمات المرأة، لتختار متطلباتها بعناية، ودون أن تكون تحت وصاية الرجل الذي لم يعد من الضروري مرافقته لها في كل عملية تسوق. ولعل الجدير هنا أن هذه المراكز أفرزت للمجتمع نوعاً جديداً من الحرية، أو لنقل حرية الشراء دون وصاية وتحديدا النساء. فالثابت في أعراف مدينة صنعاء قديماً كان يمنع النساء من التجول بحرية للتسوق وشراء ضروريات الحياة، غير أن الأمر انقلب رأساً على عقب، فمعظم مراكز التسوق في صنعاء ترصد معدلات الشراء الخاصة بالنساء بمقدار يفوق ثلاثة أضعاف عن الرجال حين يتعلق الأمر بالتبضع، ومعظم المتاجر تتحدث الآن عن قوة حضور النساء اللواتي يتسوقن من أجل شراء مستلزمات الرجال، في حين أن الأمر يبدو ضعيفاً للغاية إذا ما تم الحديث عن العكس.
لنأخذ أحد تلك النماذج العصرية المؤثرة في الحياة اليومية لمدينة صنعاء. مركز صنعاء التجاري مثلاً شكل منذ إنشائه علامة فارقة في حياة سكان العاصمة، لقد منح هذا المجمع ثقافة جديدة أفضت في البداية بظهور شريحة خاصة من المتبضعين الذين يقيمون في صنعاء. كان معظم هؤلاء المتسوقين ينتمون لأسر الدبلوماسيين العرب والأجانب أو الموظفين (غير اليمنيين) العاملين في شركات أجنبية عاملة في البلاد، غير أن الأمر أفضى الآن بجيل من المتسوقين اليمنيين والذين يمكن وصفهم بـ"المتسوقين الجدد"، فهم يشكلون شريحة من الناس الذين لهم ذائقة أرقى من العامة، فهم يعون تماماً مسألة اقتناء ماركات فخمة، ويحبون التسوق كونه يمنحهم الارتياح الذي يجدونه نتيجة انتقاء أدواتهم ومتطلباتهم بعناية. إن مجمعات السوق غالباً ما تمنحك كل ما تريده بخصوصية فريدة، فبإمكانك مثلاً الحصول على نوع من الترفيه، إلى جانب أكل أصناف معينة من الوجبات الخفيفة وأنواع من الحلويات وحتى الآيسكريم أثناء قيامك بالتسوق في أحد مجمعات السوق، فضلاً عن أنها تتيح لمرتاديها إمكانية الحصول على ماركات العالم المختلفة من الملابس، الأحذية، الساعات، العطور، المجوهرات، الحلويات، والأجهزة الالكترونية المتنوعة.
يقول فواز الشرعبي -مسؤول التسويق في أحد متاجر "مام" الشهيرة في مركز صنعاء التجاري ومركز يمن مول: "إن المراكز التجارية الحديثة خلقت نوعاً من الثقافة الجديدة، فالزبائن في هذه المراكز هم الأرقى من ناحية الذوق كونهم حريصين على أن يلبسوا جيداً، ويحفظون أسماء ماركات السلع العالمية لدرجة أن عدداً منهم يتسوقون بطريقة الكترونية عبر بطائق الفيزا كارد، ويدركون أشياء كثيرة عكس الزبون التقليدي".
لعل زيارة واحدة لأحد مجمعات السوق في العاصمة صنعاء كفيلة بأن تمنحك فكرة وافية عن شريحة واسعة من المشترين، وهي الشريحة الأعلى إنفاقاً على الإطلاق في المدينة. وبمجرد التجول داخل أحد معارض الألبسة الرجالية قد يندهش المرء لمجرد أن يجد أن ثمن بدلة واحدة يحرص على شراء ماركتها عدد كبير من المتسوقين في هذه المتاجر، يصل إلى 800 دولار أمريكي. وهو رقم كبير للغاية بالنسبة لمعظم اليمنيين، غير أن هنالك من يدفع ثمنها دون أي اكتراث.
لعل هذا الأمر يكشف عن فورة شراء غير متوقعة. المدهش أن هؤلاء الزبائن لا ينتمون فقط لطبقة خاصة من المجتمع، فهنالك حضور ليس بالقليل لأولئك المنتمين إلى الطبقة المتوسطة في صنعاء، وهم موظفو القطاع الخاص وملاك محال وأعمال صغيرة في العاصمة. ويبدو أن معظم المتسوقين هم من الذين انفتحوا على العالم من خلال تعليمهم أو حتى من خلال سفرهم الدائم خارج البلاد، ذلك أن القناعة الراسخة تنم عن ثقافة لم تنشأ من التأثر بالداخل بقدر تأثرها بالخارج، وهو الأمر الذي يقود إلى أحد إفرازات التطور لدى أجيال صنعاء الجديدة. هذه المجمعات منحت المجتمع خصائص غير مسبوقة، أسهمت هذه الخصائص ببروز فكر جديد في صنعاء، هذا الفكر يبدأ من انفتاح الناس على العالم، وينتهي ببروز قوة شرائية فوق العادة.
وبالعودة لإعجاب الناس غير العادي بمجمعات السوق، نجد أن الجميع يحبذون فكرة التسوق على هذا النحو، ربما لأن هذه المجمعات تمنح متسوقيها الراحة والترفيه وأخذ وقت كافٍ من الخصوصية مع عائلاتهم، كونها تمنح الطفل والمرأة والرجل اهتماما خاصا كلاً على حدة. ولعل ما هو جدير أيضاً ما يراه المهندس علاء كامل -أحد المتسوقين الشرهين في هذه المجمعات، يقول علاء: "أشعر بأنني دخلت في بلد أجنبي عندما أدخل أحد هذه المراكز".
لقد قلصت هذه المجمعات المسافة ما بين طبقات المشترين من خلال درجات البيع فيها، وفي العاصمة صنعاء هنالك أكثر من 20 مركزاً أو مجمعاً من مجمعات السوق التي اعتمدت مواصفات على منوال أجنبي، فهي تختلف باختلاف تخصصاتها وخدماتها، غير أنها تتفق في منهجية الفكر الذي يسير على سكة واحدة في التبضع. لكن هذه المجمعات تتفاوت في ما يخص درجة التصنيف، فيأتي مثلاً مركز صنعاء التجاري في الصدارة، وهو مركز فخم للتسوق، تعود ملكيته للشركة اليمنية الليبية القابضة، ويصنف من الدرجة الأولى من حيث اعتماده للمواصفات الدولية التي راعت عددا من الاعتبارات التي لا توجد في السوق اليمنية، وهو يضم أفخم ماركات وسلع العالم من الملابس، الأحذية، العطور، الساعات، المجوهرات، البصريات، الشوكولاته، الهدايا، والتحف، وينظم باستمرار عددا من العروض الشهرية التي تمنح جوائز غير مألوفة بالعادة. ويأتي في الدرجة الثانية مجمع يمن مول، وهو مجمع أنيق تابع لمجموعة شركات جابر الرحبي (أحد كبار المستثمرين في صنعاء). ثم تأتي عدد من المراكز التجارية التي تضم تحت أسقفها أصنافا من السلع التي تختلف من حيث التخصص، فهنالك مراكز تضم كل شيء مثل (مركز صنعاء ويمن مول)، أما بقية المجمعات فتضم سلعاً من أنواع متعددة لعائلة واحدة، منها مراكز أغذية (شميلة هاري، سيتي مارت، الجندول، الهدى، هابي لاند، وغيرها)، ومنها تضم ما يخص الألبسة فقط (سيتي ماكس، العزاني، الحمراء مول، الكميم، وغيرها). وتأتي البقية متفرقة على باقي أنواع السلع كالمفروشات والالكترونيات وغيرها.
لعل الفكرة التي يمكن التقاطها من مفهوم التسوق الذي عرفته صنعاء القديمة من سوق الملح، هو أن مجمعات التسوق الحديثة في صنعاء لا تزيد عن كونها نسخة جديدة وعصرية أكثر راحة مما كان موجودا لدى المدينة القديمة. فالمدينة عرفت التسوق، ولطالما اشتهرت بالأسواق منذ القدم. غير أن هذه المجمعات العصرية تمنح المجتمع المحلي المحافظ طابعاً يخصه من العالمية، وصورة جديدة تتيح للزائر الشعور بنموذج ديمقراطي يختلف عن صورة أسواق الأصل.
يبقى فارق التسوق بين زمنين هو أن الجميع كان يبتل في ما مضى، بيد أنه اليوم يبقى جافاً حين تمطر.

11 مايو 2009

قصة المشروع الذي أفسدته شركة " الرحاب"


* محمد الحكيمي
هذه المرة .. الفساد ينتصر مرتين. وفي قصة مشروع طريق ( ذمار – الحسينية ) يبرز الفساد بصورة استثنائية مهيمنة طيلة سبع سنوات ، في حكاية طريق بدأ العمل فيه مطلع العام 2005 كي يتم انجازه في 2007 ، وبحلول العام 2009 سنكتشف أن المرحلة الأولى منه لم تجهز بعد، والنتيجة: اختصار طريق المشروع من مسافة 220 كيلو متر إلى 105 كم ، من قبل الشركة المنفذة له ،ويتم تعويضها مرتين أيضاً.

30 أبريل 2009

عن عارنا القومي .. الآن !!

اطفال يتسولون مع ابيهم بصنعاء. الصورة:النداء
* محمد الحكيمي
لا تعرف "فاتن" حتى الآن سوى شيء واحد في الحياة، هو: الشعور بالذل.
يبدو ذلك الشعور مريرا ومؤذيا بالنسبة لطفلة بريئة لم تتجاوز العاشرة من العمر، أُجبرت على العيش في الهامش.
لا شيء هنا يبعث على التفاؤل. فالحياة قاسية بالنسبة لـ"فاتن" (وهذا ليس اسمها الحقيقي)، فهي تعمل منذ 3 سنوات بائعة أقلام متجولة في شارع حدة في العاصمة صنعاء.
إلى جانبها يعمل شقيقها، الذي يصغرها بعام، من أجل إعالة إخوتهم الخمسة: 3 إناث واثنان من الذكور، إلى جانب أمهم.
بدأت مشقة "فاتن"، كطفلة مضطرة للعمل في الشارع، منذ نهاية العام 2006، عندما ألقت السلطات السعودية القبض على والدها، حين كان يعمل في إحدى الشركات بالمملكة، نتيجة عدم تمكنه من دفع الديون المُقرة عليه. هو حتى الآن ما يزال معتقلاً في أحد سجون المملكة، وقد انقطعت أخباره عن أسرته الفقيرة التي لا تقوى على تسديد ما عليه. ومنذ ذلك الوقت اضطرت زوجة الرجل لإيجاد مصدر دخل لأولادها السبعة، لكنها فشلت، ولم تجد غير ابنتها الكبرى (فاتن) لتوكل لها مهمة إعالة 6 أطفال سيتوجب عليهم على الأرجح العمل في الشوارع اقتداءً بأختهم لتحمل المسؤولية، ومن ثم الحرمان من التعليم، دون العيش حياة هانئة.
كل ما تجنيه "فاتن" من دخل، لا يتعدى مبلغ 500 ريال في اليوم الواحد، وهو ما يعادل قرابة دولارين فقط. وستقول لك "فاتن" إن ذلك المبلغ هو الذي تعود به نهاية اليوم، بالرغم من مساندة شقيقها في وظيفة بيع الأقلام.
لعل "فاتن" واحدة من حوالي 30.000 طفلة وطفل من أطفال الشوارع في البلاد، وربما تأتي ضمن الأربعين بالمائة من الأطفال الذين يأوون كل يوم إلى مساكن أسرهم، باعتبار أن نسبة الـــ60% المتبقية يعملون وينامون في الشوارع كونهم بعيدين عن أسرهم التي لا تكون مقيمة في المدينة التي يعملون بها، طبقاً لتلك الدراسة الحكومية التي أطلقها المجلس الأعلى للأمومة والطفولة في مطلع يوليو من العام الفائت 2008.
مصدر الإحباط الكبير هو أن عدد الأطفال الذين يعيشون معاناة "فاتن" في ارتفاع مستمر تعلو مؤشراته بصورة متواصلة. والأكثر إحباطاً هو نسبة الفتيات اللواتي توكل لهن مشقة إعالة أسرهن تماماً.
يعود معظم الأسباب التي أدت إلى لجوء الفتيات إلى الشوارع -بحسب التقرير الحكومي- إلى انتشار الفقر وكثرة الإنجاب وانعدام الخدمات الاجتماعية، والأهم من ذلك تخلي الدولة عن دعم الفقراء.
الكارثة أن اليمن صادقت (بثقة) على الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل في 20 نوفمبر 1989، والتي ترى أنه ينبغي إعداد الطفل إعداداً كاملاً ليحيا حياة فردية في المجتمع بروح المثل العليا المعلنة في ميثاق الأمم المتحدة، وخصوصاً بروح السلم والكرامة والمساواة.
ما من كرامة يمكن لـ"فاتن" أن تشعر بها وهي تتألم كل لحظة تجاه نظرة الاحتقار والدونية التي تتلقاها من المارة باختلاف شرائحهم. وما من مساواة يمكن الاعتراف بها. ذلك أن "فاتن" لم ترتد المدرسة قط، أو لنقل لم تتمكن من ذلك، برغم الحديث الرسمي عن إلزامية التعليم الابتدائي للفتيات ومجانيته.
لننسَ الآن أمر التزام اليمن بالمادة (28) من اتفاقية حقوق الطفل (حق الطفل في التعليم)، والمادة (26) (حقه في الانتفاع من الضمان الاجتماعي)، وكذا المادة (27) (حقه في مستوى معيشي ملائم)؛ فالحديث عن ذلك يعني ببساطة الحديث عن احترام اليمن لاتفاقياتها أمام العالم، وبعبارة ملائمة: استهتارها بحق الطفل قبل كل شيء.
أكثر ما يؤلم هو أن "فاتن" لا تحلم ككل الفتيات بارتداء فستان جديد، أو الحصول على دمية أنيقة، ولا تفكر حتى بتذوق قطعة حلوى أو التنزه برفقة أشقائها.
تصوروا أن كل ما تتمناه الطفلة هو فقط ألا يصادفها في عملها من يسيء إليها من المارة ممن يتعمدون إلقاء الشتائم، ولا ترجو التعرض للعنف والاعتداء بالضرب والتحرش، الذي تعرضت له 4 مرات طيلة عملها.
وأكثر من ذلك، لا تتمنى "فاتن" أن تقبض عليها الشرطة ذات يوم بتهمة التسول، كما حدث لطفلة قبض عليها قبل شهرين ولم تعد إلى شارعها حتى الآن.
أسوأ ما في الأمر، هو أن معظم هؤلاء الأطفال يعملون تحت دافع اضطراري من أجل إعالة أسرهم، وهو أمر لا يمنح المجتمع سوى قيمة خلاقة. لكن الأسوأ من ذلك هو ذلك التشوه الاجتماعي الذي يتعرضون له، من استغلال وسرقة وضرب ومضايقات واعتداء جنسي يصل حد الاغتصاب.
علينا أن نعترف بأن ذلك عار قومي تجاه من يتطلعون الآن إلى المستقبل. ويبدو البلد برمته متواطئ في عملية تجاهل كبرى تجاه تلك الشريحة.
يبقى الواضح أن الحكومة التي لا تكترث للمستقبل، لا يعنيها الالتفات للجيل الذي سيكون فيه مهما كلف الأمر.
ـــــــــــــــــــــ
نشرت بتاريخ: 30 أبريل 2009 – صحيفة النداء – صنعاء.

13 أبريل 2009

سقطرى المنسية !


محمد الحكيمي
الصورة رديئة للغاية ، غير أننا لا نجرؤ على الاعتراف بأن هذه هي الحقيقة .
لقد اتسعت الرداءة ، وأصابت المدن بالإخفاق . لكن الخبر السيئ أن ثمة أمر رديء يحدث الآن في جزيرة سقطرى .
الأمر يتعلق بانتقال ذلك الفساد الذي عانت منه المدن ، ليصل إلى جزيرة سقطرى ، لدرجة أنها صارت تخطو في طريق لأن تصبح بيئة طرد مركزي تجاه نوايا الاستثمار ، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالاستثمار الأجنبي ، وهذه كارثة.
لقد بلغ الأمر حدا يجب التنبه له ، ومؤخرا أرتفع صوت أحد المستثمرين الخليجيين بنبرة استياء جراء ما حدث له في الجزيرة حينما قرر إقامة استثمار سياحي هام ، فأرتطم الرجل بالرداءة التي قوبل بها حين أقدم على شراء الأرض .
الرداءة التي يعاني منها المكان . هي عدم الاكتراث لأهمية ما ينوي البعض القيام به ، بيد أن ثمة من يذهب للقول بأن رداءة سقطرى تتعلق بإهمال المنطقة سياحياً، واقتصار الاستثمار لصالح فئة تود احتكار المكان ، دون إحداث فارق جاد . وهنالك قصص عدة لرجال أعمال عزموا فعل الكثير ، لكنهم فؤجئوا بكومة من العراقيل .
الحقيقة أن الجزيرة التي سحرت العالم بندرة كل ما هو موجود فيها ( وهي ميزة أرض لم يكن لنا فيها خيار ) تحاول أن تكون أكثر مرونة بالرغم من تعرضها للكثير ، فقد ظلت سقطرى سجنا ً كبيرا ً للمعتقلين السياسيين في عهد سلطة ما قبل الوحدة في الجنوب . ثم صارت مجرد أرخبيل يهواها الأجنبي ويعرف عنها أكثر مما يعرف عنها اليمنيين . ولم يلتفت أحد إلى العجائب التي تملكها الجزيرة كأكبر مقصد نادر من مستودعات الطبيعة في العالم .
ما من سبب مقنع نملكه لتبرير سنوات الهدر التي مرت بها سقطرى ، دون أن نهتم بها كمنطقة تحظى بندرة شديدة على كافة المستويات ، ولا يمكن لنا إنكار حضور الأجنبي الذي كان دائما يلفت انتباهنا لأهمية سقطرى من منظمات ومؤسسات وبعثات علمية وكيانات . لكننا بعد هذا كله لم نستطع القيام بشيء للترويج لها أمام العالم لتكون بمثابة التقدير على ما عداه .
سيخبرك الناس في سقطرى عن سماعهم بأن الاتحاد الأوروبي سيتولى إدارة الجزيرة ، بعد أن يتسلمها من الحكومة اليمنية عما قريب ، ويأتي الأمر في سياق اهتمام عالمي كبير ، باعتبارها ثروة للعالم كله وليس لليمن فحسب ، فهي الآن ضمن قائمة عجائب الدنيا السبع .
ربما كان توجيه الرئيس علي عبد الله صالح مؤخرا ً بإلحاق جزيرة سقطرى إداريا ً بوزارة الإدارة المحلية خطوة هامة في مسار استقلالية سقطرى كي تصبح محافظة يمنية مستقلة تحظى بكل شيء ممكن ، وهي بحاجة لذلك فقد عانت كثيرا ً من كونها تابعة لمحافظة حضرموت.
وعلى طول السنوات لم تحتل سقطرى موقعا ً ولو أدنى ، من حظوظ الاستثمار ، ولم تحظى بمبادرات نوعية لجعلها في الصدارة ، غير أنها حصلت على اهتمامات فردية قام بها عدد من المهتمين بشكل شخصي ، ولعل الباحثة البريطانية " ميرندا موريس " قامت بالكثير تجاه سقطرى لسبب أنها أحبت الجزيرة النادرة بمجرد أن زارتها لأول مرة في العام 1988 ، وهو ما دفعها لتأليف كتاب عن النباتات والطيور والحشرات في سقطرى بمشاركة باحثين ، لدرجة أنها مكثت في الجزيرة مدة طويلة قضتها في تعلم اللغة السقطرية ، وما هو غريب على الفعل اليمني هو أن حماس البريطانية ميرندا قادها لأن تعمل بجهد من أجل انجاز مشروع للبيئة يوثق لمرجعية علمية متكاملة لكل كائنات سقطرى النادرة . لكن هل أكتفت ميرندا عند هذا الحد ؟ لا . المدهش أنها لم تتوقف بعد ، فقد عملت مع السيد أحمد السقطري ( وهو أحد رجال الأعمال اليمنيين والمقيمين في سلطنة عمان ) على تأسيس (متحف تراث سقطرى) والذي تأسس بتمويل شخصي من السقطري ، ليتم افتتاحه بنجاح في الحديقة الملكية في ادنبره العام 2006 ، بعد جهد شاق ومضن من قبل ميرندا و السقطري .
كل هذا أمر جيد ! لكن أين يكمن دور رأس المال اليمني تجاه ذلك . ليست هناك مبادرات خلاقة باستثناء القليل . لنتحدث مثلا ً عن ما قامت به سيدة الأعمال لينا العبدول فهو مبعث فخر، كونه كان مبادرة من شابة يمنية تحمست لفعل الكثير لبلدها . لقد قامت ( العبدول ) بإطلاق مشروع بيئي للحفاظ على طبيعة سقطرى وحمايتها من التلوث ، من خلال رصدها لأسواق سقطرى ، وجدت (العبدول ) أن الأكياس البلاستيكية تسطو على مساحات تتسع في كل الأمكنة ، وهو ما قادها لاستصدار قرار مدعوم من السلطات المحلية بالجزيرة لمنع دخول واستخدام أكياس البلاستيك المصنوعة من المواد السامة واستبدالها بأكياس ورقية يتم تلفها دون إضرار البيئة ، كان ذلك الجهد يتطلب من ( لينا ) أن تؤسس منظمة مدنية أطلقت عليها اسم ( مؤسسة سبرا للتنمية وسبرا هو اسم لشجرة طبية في سقطرى). وتبحث ( لينا ) الآن إمكانية إنشاء مصنع أكياس ورقية يخص الجزيرة . انه عمل خلاق وطموح قلما يحدث في مكان بعيد لمنطقة منسية لا يزيد سكانها عن 100 ألف نسمة . وفي معرض الحديث عن مبادرات رجال الأعمال فهنالك من يستحق الإنصاف كونه يتحدث باستمرار للجهات الرسمية لكل ما يهم سقطرى وهو رجل الأعمال أمين درهم الذي لا يتوقف عن الحديث عن سقطرى أمام البعثات العلمية عبر جمعية الصداقة اليمنية الألمانية التي يرأسها للخروج بمشروع خلاق .
ما تحتاجه سقطرى أكبر من التحدث عنها بتفاخر كونها أرض تخصنا دون القيام بشيء . ولو حدث بالفعل وتولى الاتحاد الأوروبي إدارة شؤونها فربما لن نكون حينها إلا مجرد سياح لا يملكون سؤى حق الزيارة ، في حين أن الأجانب كميرندا استطاعوا فعل ما هو أكبر .
نشرت في صحيفة الجمهورية - ملحق اليمن السياحي - 13 ابريل 2009 .

01 أبريل 2009

خارج مربع الشفافية


* محمد الحكيمي
ما الفرق بين شركة حكومية وشركة خاصة ؟ الإجابة بكل بساطة أن الأخيرة لا يتم الإفصاح عن إرباحها .
ربما يشكل الفارق لكثيرين في قول كهذا على أن الأمر يحمل مقارنة غير عادلة ، بيد أن الحسابات السحرية التي تتم في كلا القطاعين ( العام والخاص ) تفصح في النهاية عن أرقام خاطئة لدى القطاع العام . ولا تفصح عن شيء لدى القطاع الخاص عندما يتعلق الأمر بالإرباح مثلاً .
في مايو 2005 كان رئيس الحكومة ( عبد القادر باجمال ) يتحدث عن تخلف القطاع الخاص ، ولم يسأل أحد ما الذي يعنيه ( باجمال ) بالتخلف !!
ماذا لو قلنا أنه يقصد عدم الرغبة في التطور . هل هذا يعني أننا نتحدث عن قطاع لا يحب الحديث عن الحقيقة فيما يخص حقيقة الأرقام التي تخصه . المربك في الأمر أن التجار يتحدثون الآن عن البورصة ، ويذهب كثيرون للقول بحماس أن شراكة ما قد تنجح بين القطاع الخاص والحكومة إذا ما تأسس قيام سوق بورصة الآن في اليمن . وتبدو الرغبة ذاتها على مستوى الخط لدى الحكومة ، فقبل يومين كان نائب رئيس الوزراء للشئون الاقتصادية ( عبد الكريم الارحبي ) يتحدث عن حرص حكومي يعتمل الآن لتكريس ثقافة الشراكة مع القطاع الخاص لكن بنوع من التأصيل هذه المرة .
المشكلة أن ما من بورصة في العالم تقوم على أساس اعتمادها على حسابات دفترية للشركات ، أو على أنظمة محاسبية مضللة لا يعرف أرقامها الصحيحة سؤى صاحب رأس المال الحقيقي للشركة .
لننظر إلى ما لدينا بالضبط .. معظم أقسام الحسابات في اليمن ( في القطاعين ) ما تزال دفترية وهو نظام أصبح في ذمة التأريخ اليوم ، وبقية الحسابات تتخذ أنظمة محاسبية مختلفة ومتباينة ومنها ما هو غير متطور أيضاً .
ولكي نصل إلى سوق للمال يجب علينا توحيد الأنظمة المحاسبية في كل الشركات التي ستعرض أسهمها تحت تداول السوق . لكن هل يمكن أن تكون معظم شركات البلد بنظام محاسبي موحد يعلن أمامنا الأرباح والإيرادات والخسائر . بالنسبة لي لا أتوقع ذلك على الإطلاق . لسنا قريبين من مربع الشفافية في كل الأمور ، وربما كان المال أعقدها ، ولو حدث ذلك سيكون معجزة غير متوقعة .
الحقائق التي أعلنت مؤخراً تصيب الجميع بالاكتئاب ، لقد أظهرت نتائج الدراسة التي نفذها المركز اليمني لقياس الرأي العام ( وهي نتائج مسح ميداني شمل 200 شركة في 5 مدن يمنية ) أصدرت مطلع هذا الأسبوع ، أن 60.5 % من الشركات في اليمن تمتنع عن الإفصاح عن أرباحها. والأمر يتعلق بخشية الشركات من الضرائب . وبعبارة أكثر شفافية خشية الشركات من دفع الضرائب .
ما هو مثير للإحباط أن 57.5 % من الشركات تمتنع عن الإفصاح عن كبار مالكي الأسهم فيها . هذا الأمر يقود إلى أن عدداً ضخماً من الخائفين على أسمائهم يمارسون الأعمال بالباطن ولا نعرف من هم بالضبط .
معظم الشركات والمؤسسات الاقتصادية في البلاد ، هي شركات عائلية وتشكل قرابة 90 % من إجمالي النشاط الاقتصادي في اليمن ، وتدار طبقا ً لتسلسل أبناء العائلة ، وهي لا تقوى على اعتماد فصل الملكية على الإدارة .
وبحسب الدارسة ذاتها فإن 76.5 % من الشركات يتم التدقيق الداخلي والخارجي لبياناتها المالية فيها تحت إشراف ورقابة مجلس الإدارة . وبالطبع لا يمكن لموظفي الحسابات معرفة تلك البيانات المالية باعتبار أن السائد وجود موازنتين ( الأولى وهي تخص مجلس الإدارة كونها البيانات الحقيقية ) والثانية تخص الشركة وهي التي يتم التعامل ببياناتها أمام الجهات الحكومية ومنها الضرائب .
أستطيع الجزم بان عددا من تجار اليمن لا يعرفون شيئا ً إذا ما تعلق الأمر بالحوكمة ، وربما حين يعرفون الحوكمة سيصابون بالذعر ، فالغالبية هنا لا تحب الحديث عن الشفافية فكيف إذا بتطبيقها . ربما يجدر بقادة القطاع الخاص التنبه لهذا الأمر ولمدى الحاجة التي يتطلبها هذا القطاع . فالجميع سئم الفساد في القطاع الحكومي . فتخيلوا حجم الأمر إذا ما فقدت الثقة أيضاً في القطاع الخاص .

20 مارس 2009

الانكماش اليمني


* محمد الحكيمي
تبدو الصورة اليوم ضبابية للغاية . اليمنيون مكتئبون الآن ، وربما يحق للجميع أن يشعر بالذعر حيال ما ستؤول إليه الأمور جراء الأزمة المالية
العالمية التي أيقظت الواقع اليمني على عجز مالي خطير في الموازنة العامة للدولة . لعل التخوف الكبير سينتج عن عدم الانصياع لتنفيذ سياسة تخفيض النفقات التي انتهجها الحكومة منذ قرارها خفض ميزانية الدولة 50 % .
لقد أعترف وزير المالية نعمان الصهيبي بشكل واضح ، وقال بأن واقع الاقتصاد اليمني مرير للغاية نتيجة الآثار السلبية للازمة المالية العالمية ، وهو ما يبعث على أن الغد سيكون محفوفاً بالمخاطر .
في الأسبوع الفائت ، بدت تتشكل أولى نتائج قرارات التقشف ، فالاحتجاجات الشفوية التي أطلقها الموظفون الحكوميون كانت تذمراً طبيعياً نتيجة خفض أجورهم الإضافية . وعلت أشكال تلك الاحتجاجات في عدد من المؤسسات الرسمية ، لعل ما هو هام هو حصة المؤسسات الإعلامية التي كانت أكثر المتأثرين بذلك نتيجة خفض ميزانياتها لمستوى النصف .
أكثر من خمس مؤسسات إعلامية كبرى تابعة للحكومة أعلنت الأسبوع الفائت حالة التعثر ، مؤسسة الجمهورية للصحافة والنشر في تعز أوقفت إصدار4 ملاحق صحافية كانت تطل على قرأها أربعة أيام في الأسبوع ، وأغلقت مكتباً لها في لحج ، وأغلقت مؤسسة 14 أكتوبر ثلاثة فروع لها في ثلاث مدن إغلاقا نهائياً، وحذت على تلك السياسات بقية المؤسسات بخفض المستحقات والتوقف عن إنتاج مشاريع جديدة .
صحيح أن الأمر برمته نتاج أزمة أصابت الجميع ، غير أن ثمة أمر لم تدركه الحكومة وهو أن الدور الإعلامي له تلك الخصوصية الاستثنائية عن بقية مؤسسات الدولة .
تخيلوا حجم النتائج التي ستحصد نتيجة ذلك ، أكثر أسباب الضعف اليمني فيما يخص اقتصادنا الهزيل تصنف دائماً باعتباره ضعفاً ناتجاً عن تقديم اقتصادنا بصورة متباينة أمام العالم ، بل أننا عاجزين تماماً عن الحديث عنه ضمن الاقتصاديات الآمنة ، صحيح إن الأمر بعيد جدا في جر هذه الجزيئية فيما يخص الإعلام .
غير أن الأمر يتطلب حضوراً إعلامياً أكبر من حجم الاقتصاد الفعلي ، ( تماماً كما فعلت تجربة دبي عندما بدأ آل مكتوم الترويج لشيء من لا شيء ) لا أن يكون خافتاً كما هو عليه الآن .
منذ زمن ونحن نتحدث عن امتيازاتنا بشكل ناقص ، و نعمل على الترويج لكل الأمور بصورة غير واضحة . ما من شيء نقترب منه الآن كي نثير انتباهه ، مشكلة البلد في ظل أزمة مالية تتطلب جهداً في جذب رؤوس الأموال و الاستثمارات الأجنبية المباشرة ، يتطلب الأمر تنفيذ مشاريع بنية تحتية تقوى على جذب انتباه الكثير غير أن ذلك كله يتكئ اتكاءً كليا على سلطة الإعلام .
لن يأتي أحد إلا إذا ما قامت مؤسسات الإعلام بالمبادرة لذلك. ينبغي علينا أن لا نغفل أمراً كي نصل إلى أمور عدة ، ثم أننا سنظل منكمشين إلى الداخل أكثر من انفتاحنا على الخارج . حتى اللحظة .. لسنا قريبين جداً .
* نشر في صحيفة ( مال وأعمال )- وموقع الاستثمار نت 9/ 3 / 2009 .

18 مارس 2009

الرجل الذي عمل لديه تجار اليمن

* محمد الحكيمي

ربما لم يسمع الكثيرين عن المسيو أنطوني بيس ، غير أن قصة هذا الفرنسي لا يمكن نسيانها ببساطة ، ربما لأن أنطوني يمكن أن يكون بمثابة الملهم الأول للحراك التجاري والصناعي في اليمن وتحديدا ً عدن دون تجاوز ، لقد عمل لديه معظم الذين يقودون التجاري والصناعي في اليمن وهم لا ينكرون ذلك قط ، كل الذين عملوا لدى أنطوني بيس في عدن أثناء الاحتلال البريطاني لما كان يسمى مستعمرة عدن ، يشكلون اليوم النخبة باعتبارهم أكثر التجار حنكة وتأثيراً في الحياة الاقتصادية في اليمن .
ذكرت الدكتورة كلوديا فايان في كتابها الشهير “ كنت طبيبة في اليمن “ شيئا ً أو شيئين عن قدرة أنطوني بيس في التأثير على بعض مناطق من العالم في الوقت الذي يجلس على كرسي مكتبه في عدن ، غير أن كلوديا وبالرغم من أنها فرنسية الجنسية إلا أنها لم تكن تحترم الأسلوب الذي كان ينتهجه بيس في تجارة البن الذي كان يشتريه من الفلاحين اليمنيين الذين يجلبون حصادات زراعتهم من شمال البلاد ، كان أنطوني بيس يشتري البن اليمني بأبخس ثمن كما ذكرت فايان ثم يقوم ببيعه في أسواق أوروبا وأمريكا والحبشة بثمن مرتفع ، باعتبار أن وكالته كانت من أكثر الوكالات المصدرة للبن حول العالم في تلك الحقبة . وبعيدا ً عن تصرفات وسلوك بيس في التعامل الذي كان ينتهجه في الفلاحين والعمال اليمنيين ( والذي كان سيئا ً للغاية بحسب فايان)«1».
فالرجل يعد واحدا ً من المؤثرين الحقيقيين في نشأة الحراك التجاري والصناعي في اليمن دون تجاوز ، وفي أكثر مذكرات رجالات الأعمال اليمنيين (وخصوصا ً الجيل المؤسس للنشاط الاقتصادي الحالي) يتحدث الكثير من رؤساء مجلس الإدارة والمديرون التنفيذيون في اليمن عن فترة عملهم كـموظفين لدى الفرنسي بيس ، ولعل وكالة انطوني بيس كانت من أشهر الوكالات التي كانت تنشط في تخصصات معينة آنذاك على المستوى الدولي ، يقول الدكتور علي محمد سعيد أكحلي، أن بيس أسس في مدينة عدن إمبراطورية تجارية امتدت من أوروبا الى أمريكا والحبشة حتى أضحى من أكبر رجال الأعمال الناجحين في المنطقة . يشير الدكتور أكحلي إلى نقطة هامة في مسيرة بيس ، وهي ما يتعلق بالغموض ، فهنالك الكثير من الغموض«2»، الذي يكتنف مسيرة هذا الرجل الأسطورة بحسب أكحلي .
ولد أنطوني في العام 1877 في مدينة كاركاسون الفرنسية ثم انتقلت عائلته بعد وفاة والده الى مدينة مونتيبليه ، كان انطوني آنذاك لم يتجاوز السابعة من العمر ، وفي حياته أخفق بيس مع أمور كثيرة منها التعليم وهو الأمر الذي قاده للانخراط في الجيش وهو في الثامنة عشرة من العمر بيد أنه لم يستمر كثيرا ً فقد ترك الجيش وهو في سن الثانية والعشرون .
وحين قرر انطوني العمل وجد نفسه تستقل على سفينة من ميناء مرسيليا تتجه الى ميناء عدن في العام 1899 ، ربما لم يكن يفكر أنه سيجد وظيفة لدى شركة “ باردي وشركاه “ والتي كانت تعمل في مدينة عدن كشركة مصدرة للبن اليمني المجلوب من شمال البلاد ، في هذه الشركة بدا بيس يجد ذاته تميل الى القيادة ، وثمة ما كان يتحرك في داخله للاقبال على العمل بعين ترى المستقبل ، وجد انطوني الكثير مما يمكن له أن يبرع فيه ، وتعرف على كثيرين ولعل من الذين تعرف عليهم في الشركة وصار احد اصدقائه هو الشاعر الفرنسي آرثر رامبو ، كان راتب بيس اقل بكثير من الراتب الذي كان يتقاضاه رامبو ، بعد وصوله عدن عمل أنطوني بحماس يقوده طموح ، كان يستيقظ بيس في الرابعة والنصف من فجر كل يوم ليعمل بوتيرة عالية حتى السادسة ليلا ً ، أكثر الروايات التي تتحدث عن انطوني بيس اجمالا ً تتحدث بدقة عن حرص بيس الشديد على معرفة كل شيء معرفى تامة فيما يخص البن اليمني ، تعلم الرجل اسرار المهنة التي تروج للبن ذو الجودة غير المتوافرة في العالم وحين شعر انطوني انه قد أصبح مكتفيا ً بما تعلمه قام مباشرة بترك العمل بعد انتهاء عقده مع الشركة. «3».
توجه أنطوني بيس مباشرة صوب مدينة الحديدة، وقام باقتراض مبلغ من المال من أحد اقاربه ثم أنشأ بيس أول عمل له في العام 1902، بعد ذلك بشهور وافق أحد المصارف الفرنسية على منح بيس قرض مالي كبير، سافر حينها الى فرنسا للتوقيع على نجاح مفاوضات القرض وبمجرد حصوله على المال عاد مباشرة إلى مدينة عدن لكنه عاد من فرنسا برفقة أخيه أميل هذه المرة وبمحفظة ممتلئة بمال وفير ، ثم أسند الى أخيه مهام الوكالة التي أسسها في الحديدة ، ومضى هو باتجاه عدن وبدأ يكون تلك الإمبراطورية المالية الضخمة «4»، والتي تتفق معظم المصادر على وصف أنطوني بلقب كان يكنى به ويحب أن يناديه الناس به وهو «ملك البحر الأحمر» «5»، في العام 1908 تزوج بيس من مارجريت هورتينس ، وهي سيدة فرنسية تعرف عليها أثر عودة مباغتة الى فرنسا لسداد أقساط القرض ، الفارق هنا في مغامرة زواج بيس هي أن مارجريت كانت تنتمي إلى أسرة أرستقراطية ثرية ، وربما يكمن هنا سبب الحظ الوافر الذي كان يرافق بيس ، بعد زواجهما مباشرة قامت مارجريت بالاستثمار في تجارة أنطوني وأصبحت شريكة في تلك التجارة ، زادت مبيعات البن في شركة بيس أضعاف السنة الأولى من بدء العمل ، وبعد اندلاع الحرب العالمية الأولى تشير المصادر إلى أن مبيعات شركة أنطوني بيس وصلت إلى ألفي ضعف. «6»، وبرغم ذلك إلا ان بيس أقدم على طلاق مارجريت (ربما لانها كانت شريكة ماله أكثر من شريكة حياته وهو ما لا يحبه الرجال) وبحسب كثيرين فإن شخصية بيس كانت مبهمة ويصعب معرفة طريقة تفكيره ، في العام 1922 تعرف بيس على السيدة هيلدا كروثر وربما لانها كانت بمعزل عن المال ،لذلك أحبها بيس حبا ً كبيرا ً لدرجة التفاخر به ، وهي التي ظلت زوجته حتى مماته أنجب بيس خمسة أبناء 3 اولاد هم : بيتر وتوني ، جوي ، وابتين هما : آريان ، ومنى ، غير ان من ابنائه الذين خلفوا عمل والدهم كان توني وهو الابن رقم اثنين ، . لقد برع توني في تسيير اعمال والده لدرجة واسعة ومرموقة في الاعمال ، كان ذلك بعد العام 1951 ، إن اسم ( توني بيس ) هو الذي كان يعمل لديه تجار اليمن الحاليين ، باعتبار انهم كانوا عمالا ً عاديين آنذاك ولعل أكبر البيوت التجارية في اليمن يعرفون بيس جيدا ً .
في منطقة العيدروس حالياً بمدينة كريتر شيد بيس المقر الرئيس لشركته وقد قيل عنها أنها كانت مقرا ً فخما ً مقارنة بمقرات شركات المنطقة ، وتقع هذه الشركة حاليا ً ( المبنى ) على مقربة من مقر فرع البنك المركزي اليمني بعدن ، وفي جبل معاشيق بنى انطوني فيلا فخمة للغاية (وهي الفيلا التي توالى قادة الحزب الاشتراكي اليمني المبيت فيها لروعة اختيار المكان ) «7»،كان من ضمن الامور التي يحظى بها التجار الذين يرتادون عدن ابان الاستعمار ، هو المعاملة الخاصة من قيادة المملكة المتحدة، وعندما شيد البريطانيون نادي الاتحاد ليكون مخصصا ً للمسؤليين والقادة العسكريين الذين يتولون زمام الامور في المستعمرة ، كانوا يسمحون للتجار ورجال الاعمال الزوار منح العضوية ومشاركتهم الاشتراك بمزايا العضوية ، ولعل الغريب ان انطوني منع من عضوية هذا النادي لسبب لم تفصح عنه المصادر «9».
في العام 1934 قام انطوني بتدشين اول مشروع صناعي بالمنطقة ، حيث افتتح مصنعا ً للصابون في كريتر ، وبعد توسعه قاظطر انطوني الى نقله في العام التالي الى منطقة المعلا ( الدكة ) وفي العام 1937 شيد انطوني مصنعا ً آخر بجانب مصنع الصابون ، وهو مصنع كان يقوم بانتاج زيت جوز الهند ، ثم بعدها اقدم الرجل على افتتاح مصنعه الثالث والمتخصص في صناعة الجليسرين ، لكن انطوني شهد تحولا ً ضخما ً للغاية عندما شرع في العام 1936بتأسيس شركة طيران في المنطقة برأسمال قدره خمسة الآف جنيه استرليني ، كان اسم الشركة “ الخطوط الجوية العربية المحدودة “ والتي كانت تضم طائرتين صغيرتين سعة كل منها 4 مقاعد «10»، كان انطوني يقول دائما ً ان سبب تأسيس هذه الشركة يعود الى ربط عدن بمدينة حضرموت التي كان يسافر اليها دائما ً كانت الطائرتين من نوع ( مونوسبار ) لكن الحظ لم يحالف البيس فقد تحطمت احداهن بعد تشغيلها بفترة ،
وبعد استبدالها حدث ان سقطت الطائرة الاخرى في مطار تريم وتحطمت في العام 1938 ثم تكبد الرجل خساءر وقرر في العام 1939 اغلاق هذه الشركة ، غير انه نجح بعدها بفتح شركة بيس وشركائه – عدن المحدودة «11» - وهي تتخصص بتوكيلات التأمين من شركات عديدة وتم تعينيها من قبل شركات عديدة كوكيل معتمد للطيران والملاحة البحرية العالمية ولدى بيس ايضا ً شركة الحلال للملاحة وهي احد الشركات التابعة له كانت هي الاخرى قد تحصلت على توكيلات عديدة ومن ضمن الوكالات التي تتبع شركة انطوني بيس كانت شركة شل الهولندية وهي التي أدرت عليه الكثير من الارباح بسبب حصوله منها على عقد بعيد الأرباح .
بيلوغرافيا المراجع :
1 - كلوديا فايان «كنت طبية في اليمن»، الطبعة الثانية «الفصل الأول».
2 - د. علي محمد سعيد اكحلي. «انطوني بيس الرجل الاسطورة»، صحيفة «الأيام» العدد «5622».
3 -المصدر السابق نفسه.
4 -المصدر السابق نفسه.
5 -المصدر السابق نفسه.
6 -المصدر السابق نفسه.
7 -المصدر السابق نفسه.
8 -المصدر السابق نفسه.
9 -المصدر السابق نفسه.
10 -المصدر السابق نفسه.
11 -المصدر السابق نفسه.

30 يناير 2009

الحياة في درجــة الصفـر


* محمد الحكيمي

الواقع الاقتصادي اليوم مخيف للغاية ، هنالك انكماش في الأفق ، ولا أحد يدرك ما الذي يتعين عليه فعله لإيقاف مسار التدهور . كل الذين يديرون زمام الأمور ليسوا المشكلة الوحيدة . ربما كان البلد برمته شريكا ً في عملية تؤاطىء كبرى دون انتباه لما يحدث.

كانت الوحدة هي الحلم الوحيد الذي تحقق لنا، والمنجز اليمني الأعظم في فعلنا الجماعي، والذي يفترض أن تنبثق عنه بقية أحلامنا لتتحقق، بعد الوحدة ورث البلد نظامين، وبدأ الناس يستعدون لمشاهدة التحول، ثم استسلمت قناعاتنا لفكرة: أن التحول لكي يتم حدوثه لا بد من تحول فكري وسياسي وثقافي في ميدان العمل. تبدو المشكلة اليمنية المتفاقمة اليوم مشكلة اقتصادية، وهذا بالضبط ما يفسر لماذا لم يتحقق في حياتنا الكثير مما نحلم به!

ماذا لو أننا آمنا ببساطة قبل عقدين، بأن السياسة هي اقتصاد مكثف! وانشغل الناس بالتحول الاقتصادي و النمو أكثر من الصراع على دوائر الانتخابات، لربما كان في الأمر ما يستحق . أحد القياديين في المؤتمر الشعبي العام علق على الأمر بالقول : "إذا أردنا أن نكون دقيقين فالتحولات بدأت من العام 1996. لأن الخمس السنوات التي تلت الوحدة لم يكن فيها تنمية أصلا ً".

 يبدو الرجل محقا ً، فالحقائق الاقتصادية حينها كانت كارثية، والنمو الاقتصادي كان نموا ً سلبيا ً في العام 1994 وصل لمعدل ( 1.4 ) بالسالب وكان كل ما في البنك المركزي اليمني آنذاك هو 90 مليون دولار فقط ، و مديونيته تصل إلى 400 مليون دولار لأربعة من تجار القمح والدقيق. تصورا أن التجار كانوا يقرضون البنك المركزي مقابل أن يأتوا ببضاعة مدعومة . ما هو أسوا هو أن معدل التضخم وصل آنذاك إلى 77% ومعدل البطالة 33% . هذا يعني أننا كنا نقف على قمة انهيار كلي للعملة والاقتصاد .

الصورة الراهنة اليوم وبمقياس المدة الزمنية لفعل التحول ليست مبعث فخر على الإطلاق ، كل ما حدث برغم المسافة الشاسعة هو أننا انضبطنا على عجزنا دون أن نتطور ، وكأننا استبدلنا كل أحلامنا بقناعة : أننا نحاول أن نكون على قيد الحياة ولا أكثر من ذلك .

على مدى 12 عاما ً تنتهج الحكومات اليمنية عملية الإصلاح الاقتصادي والتي بدأتها في مطلع 1996. لكن التقارير الدولية تشير إلى أن الإصلاحات الاقتصادية في اليمن لم تجدي نفعا ً. ولا يمكن لها أن تبني اقتصادا ً قويا ً على الإطلاق.
في العام قبل الفائت حلمت الحكومة اليمنية بالانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي، ثم استيقظت على حقيقة أن اقتصادها بحاجة إلى 45 مليار دولار كي يصبح خليجيا ً ( انه ثمن باهض وكبير ) أكبر مما كنا نظن.

الاقتصاد اليمني ما يزال رهينا ً للقطاع النفطي الذي يشكل أكثر من 80 % من الموازنة العامة للدولة . ( وهذه هي المشكلة الحقيقية ) يشير آخر التقارير الصادرة عن البنك المركزي أن معدل النمو الحقيقي للاقتصاد الوطني بلغ حوالي 4.7 % في عام 2007 ومعدل التضخم بلغ حوالي 8.6 % في العام ذاته ، النتيجة الحتمية هنا هو العجز المالي الكبير الذي سببه انخفاض الصادرات الحكومية النفطية بدرجة رئيسية ، بشكل أو بآخر سيتعيين علينا الاعتراف عما قريب أن النفط اليمني في طريقه الآن إلى النضوب وهو ما تكهن به كنوع من التحذير تقرير البنك الدولي العام الفائت . أنظروا إلى الأرقام الرسمية لصادراتنا النفطية في العام2006 لقد بلغت حصة الحكومة من صادرات النفط نحو 63.71 مليون برميل في حين أنها في 2007 بلغت صادرات النفط نحو 42.37 مليون برميل ، وبطرح الرقمين سنجد أن نفطنا ينضب من عام لأخر بنحو 21.34 مليون برميل .

إذا ً مصدر الموازنة العامة لليمن في طريقه إلى النضوب . سيتعين على اقتصادنا الهزيل البحث عن مصادر طاقة بديلة ، وربما لن نكون ناجين كفاية لو فكرنا بالغاز الطبيعي كمصدر يعتمد عليه ، ولو عدنا للوراء قليلا ً لوجدنا أننا فشلنا منذ منتصف الثمانينات وحتى اللحظة في تسويق الغاز بطرق ذكية لا بشكل اضطراري . حتى لو فكرنا بالسياحة والأسماك والمعادن . فالأمر يحتاج للكثير كوننا لم نعر هذه القطاعات اهتماما ً أوسع ،( الإنفاقات الكبيرة ذهبت لبناء المنشآت الفردية بدلا ً من البنى التحتية الضرورية ).

ما من حقائق مريحة تقودنا للتكهن أننا في طريقنا إلى الاستقرار . تكمن العقدة في أمور متباينة بشدة ومبهمة في حقيقة اقتصادنا الفعلي هذه الأمور تبدأ بالصورة التي يتخذها الاقتصاد اليمني وتنتهي بفك شفرة النمو .
لكن دعونا من شفرة النمو ، فهي ليست لعبة شطرنج خاصة بنا، ولنحاول فهم ما هي مشكلة اقتصادنا الحقيقية والتي يراها الآخر عكس ما نراها نحن .

الحقيقة مريرة وهي أن اقتصادنا هش ، يحتاج إلى حكومة ذكية تعزز النمو والإنتاجية تعزز زيادة الصادرات ، وتعزز الوسائل الفعالة للنمو ، يحتاج الاقتصاد أيضا ً إلى نسف الأسقف التي ابتنى عليها وأولها الاتكاء على النفط كمصدر واحد ، عمل الحكومة اليوم خاطئ وخفض ميزانية الدولة إلى نسبة 50 % التي أعلنت مؤخرا ً تعني أننا كنا في سباق نحو الحضيض ثم أعلنت الحكومة فجأة بأنه آن الأوان لإعادة النظر بجدية .


أكثر الأمور التي يحذرنا منها البنك الدولي هي الاستدانة ، ولعل ديون اليمن آخذة في الارتفاع أكثر مما كانت عليه من قبل ، لقد أرتفع الدين الخارجي للبلد بنسبة 6.4 % وارتفع أيضا ً الدين الداخلي بنسبة 29.6 % ، التقرير المركزي 2007 برر سبب ارتفاع ديننا الخارجي نتيجة ارتفاع سحوبات القروض عن مدفوعات الإقساط ، إن الأمر ببساطة هو أن الحكومة تستدين من أجيالنا القادمة بشراهة ، وهو ما يجعلنا نشمئز من التفكير بالمستقبل.


سبب الأزمة المالية العالمية وجوهرها كما يراها الملياردير الأمريكي ( وارن بافيت ) هو " الدين " وفي تعبير رائع عن الأزمة قال (بافيت ) في برنامج تلفزيوني : "إن الأمر شبيه بحفلة سندريلا الراقصة حيث الجميع في أفضل حالاتهم والموسيقى أفضل ، والأجواء تزداد مرحا ً ، فتسأل نفسك : لماذا عساي أن أغادر قبل ربع ساعة من منتصف الليل ؟ سأغادر قبل دقيقتين ، لكن المشكلة هي أن ما من ساعات على الحائط والجميع يظنون أنهم سيغادرون قبل منتصف الليل بدقيقتين .

13 يناير 2009

الدبلوماسية اليمنية في قـمـة الـ إنـقـسام


الرئيس اليمني صالح، الصورة: ارشيف.

تدخل السياسة اليمنية هذا الأسبوع في مأزق حرج للغاية، فبعد قرار الحكومة اليمنية مقاطعة "قمة غزة" المنعقدة في العاصمة القطرية الدوحة الجمعة الماضية؛ بدت اليمن كمن يمارس سياسة معايير مزدوجة، أو سياسة مصالح على حد سواء. فهذه المرة، جاء الموقف الرسمي اليمني مخيبا ً للآمال الشعبية محلياً، والمتعاطفة على الدوام مع الفلسطينيين.