التسميات

10 نوفمبر 2007

إعادة اكتشاف دور الأستاذ حيدرة

الصورة: الراحل الأستاذ محمد أحمد حيدرة. في الحديدة 1970.
* محمد الحكيمي
كثيراً ما يكمن النبأ العظيم في الصمت، خصوصاً عندما نبادر في الإفصاح عن التاريخ الخفي للرجال، وهو الأمر الذي تناوله الباحث الأستاذ محمد ناجي أحمد في صحيفة "الشارع" (العدد 20) حمل عنوان: "محمد أحمد حيدرة.. رائداً تربوياً ومسرحياً".


إنه جهد خلاق أن تقوم بمهمة التنقيب عن سيرة منسية وغير مؤرشفة، لمجرد أنك مهتم بأنه كان يمثل أحد أهم أركان التنوير في اليمن خلال حقبة الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، وسط تغييب واضح لدوره الذي أسس لمسارات مدهشة في بنية التعليم الحديث في اليمن، وكذا تأسيس المسرح المدرسي ومجمل من الأنشطة الثقافية كالموسيقى والكشافة والرياضة في إطار نموذجي للمدرسة الأهلية، وهي أول مدرسة في اليمن تدرس العلوم الحديثة: الرياضيات والجغرافيا والتاريخ وغيره عوضاً عن "الكُتّاب"، وقد أسسها الأستاذ الراحل حيدرة مع الأستاذ النعمان آنذاك.
لعل أحد أهم الأسباب التي جعلت من الأستاذ الراحل محمد أحمد حيدرة مهمشاً لدرجة الغياب في مذكرات التاريخ، يعود برأيي الشخصي لسببين: عدم استيعاب واهتمام أسرته لمسألة توثيق تراث الراحل من مؤلفات ومذكرات وصور وغيره وهو ما نشعر بالأسف تجاهه.
أما السبب الآخر يعود لكونه كان عقيماً ولم ينجب أطفالاً قط يحملون اسمه ويتلقون تراثه، بيد أنه كان قد تبنى أحد الأطفال اليتامى في تعز في الستينيات.
ولد محمد أحمد حيدرة العام 1902، في قرية "الدويمات" بمنطقة الأحكوم التابعة لمحافظة تعز، تلقى تعليمه الأولي في مدينة عدن، ثم غادر إلى القاهرة ودرس فيها ليحصل على البكالوريا من دار العلوم آنذاك.
كان والده الحاج أحمد حيدرة، من أوائل الذين اشتغلوا بالتجارة قديماً، وبالتحديد في منتصف القرن التاسع عشر. وقد كون (أحمد حيدرة) تجارة في استيراد البضائع ونقلها من ميناء عدن إلى شمال البلاد آنذاك، كون ميناء الحديدة كان حينها غير صالح لاستقبال السفن الكبيرة والمتوسطة. لذا كانت تجارة اليمن في الشمال تأتي عن طريق عدن. وقد أنشأ وكالة جيدة وعدداً من الدكاكين.
أنجب حيدرة 3 أبناء هم: محمد، شاهر وعبدالله، كان أكبرهم محمد أما شاهر فقد هاجر إلى أفريقيا واشتغل بالتجارة هناك ونجح في تكوين تجارة في الوكالات والعقارات في كل من "كينيا" و"أوغندا" بصورة لافتة. وقد توفي العام 2001، بعد عودته إلى اليمن بـ 5 سنوات.
أما الأخ الأصغر عبدالله كان قد أخذه الإمام كرهينة في القصر تبعاً لسياسته المنتهجة في تلك الأيام تجاه شريحة خاصة من الناس.
لعل ما هو حري بالإشارة له هو رؤية الأستاذ محمد أحمد حيدرة للحياة وأولوياتها بصورة عامة، فحبه للعلم كان أقوى من حاجته للمال، وقد بدد معظم أمواله إن لم يكن كلها في الإنفاق على هذا الأمر، فقد ابتعث الكثير من الشباب لتلقي العلم على نفقته الخاصة، كما أنه كان يقوم بالكثير من المبادرات المبدعة يشرك فيها التلاميذ لممارسة الأنشطة دون النظر لما قد تكلفه النفقات، الأمر الذي قاد إلى أن يستقدمه الأخ الأكبر للنعمان ليدرس في التربة العام 1935. وقد عمل حينها على تأسيس منهج جديد لمسألة التعليم عوضاً عن "الكتاتيب"، فكان أن عمل على إدخال منهج العلوم الحديثة في أول مدرسة أطلق عليها "المدرسة الأهلية"، وهي أول مدرسة في اليمن يتم فيها استقدام مدرسين بطابع عصري وكذا أدوات استقدمها حيدرة من القاهرة كالآلات الموسيقية وملابس الكشافة (الجوالة) وملابس مسرحية وغيرها.
وهو الأمر الذي ضاق به الأستاذ النعمان.. لأنه يدرس التلاميذ التاريخ والجغرافيا ويعد لهم الأناشيد الوطنية ويلحنها بألحان جميلة، ويعزف على العود، الأمر الذي جعل النعمان يسعى مع الحاكم الشرعي وقتها محمد بن علي المجاهد، لدى عامل التربة لطرده. وحين جاء سيف الإسلام القاسم بن يحيى مع أمير تعز علي الوزير، تم سحب حيدر بأمر الإمام يحيى... (محمد ناجي أحمد... "الشارع" العدد 20).
في هذا السياق كان من ضمن الأمور التي أدين بها الاستاذ حيدرة ليتم طرده، أنه كان يعلم التلاميذ آنذاك أن الأرض كروية، وهو الأمر الذي يختلف مع النص القرآني الذي استشهد به طاردوه: "ومددنا الأرض مداً".
وفي معرض الحديث عن إخراج حيدرة من التربة، يروي الكثيرون أنه عندما تم سحبه إلى تعز، كان الإمام قد دبر له كميناً وهو في طريق العودة لقتله، لكنه نجا بأعجوبة، ورتب للسفر إلى عدن بعدها.
لقد كان الأستاذ محمد أحمد حيدرة يتمتع بنفوذ كونه كان قادراً على تقديم ما يراه بصورة ذكية وجيدة. فضلاً عن امتلاكه المال والأراضي. وقد أوقف عدداً كبيراً من أراضيه لصالح بناء المدارس في تعز، ولعل المبنى الحالي للمستشفى (الجمهوري) في تعز خير شاهد على ذلك عندما أوقفه لبناء المشفى الجديد بعد الثورة، وقد عرف حيدرة بكثرة السفر فقد كان يسافر إلى مصر كل عام في الصيف كونه كان عضواً في جمعية للفلكيين العرب كانت تقيم اجتماعاً كل عام في الاسكندرية.
يقول الدكتور قائد محمد طربوش أستاذ القانون المشارك في جامعة تعز "إن الأستاذ محمد أحمد حيدرة وعمه الأستاذ ثابت حيدرة وكذا ابن عمه الأستاذ عبدالعزيز ثابت حيدرة هم من أول بيوت التنوير في اليمن".

*هــامـش:
توفي الأستاذ محمد أحمد حيدرة الحكيمي في الاسكندرية في شقته بمدينة الاسكندرية ، بعد تعرضه للمرض العام 1973، وقد نعت وفاته صحيفة الجمهورية الصادرة في تعز آنذاك. أما عمه الأستاذ العلامة ثابت حيدرة فقد درس في القاهرة وتخرج منها حاصلاً على درجة الإجازة في الشريعة من جامعة الأزهر الشريف. وهو عكس ما ذكره محمد ناجي أحمد بأنه لم يكمل تعليمه ("الشارع" 20).
وقد رافقه في دراسته زملاؤه أمثال الراحل القاضي الكباب وغيره. وقد هاجر أيضاً للدراسة في اسطنبول، وقد كرمه المشير عبد الحكيم عامر بوسام عندما خطب في التربة لساعتين مبايعاً في خطبته الرئيس الراحل جمال عبد الناصر زعيماً للأمة العربية.بعد نجاح ثورة 26 سبتمبر 1962.
وقد عكف معظم حياته يعمل وكيلاً للشريعة في التربة. وقد كان أول من أدخل خريطة جغرافية تحدد موقع اليمن كان جلبها معه منتصف القرن الـ 19. وهو من اشد المناصرين لمسألة التعليم.
وقد توفي ثابت حيدره في مسقط رأسه بقرية الدويمات في الأحكوم العام 77، ومن أبنائه الأستاذ الراحل عبدالعزيز ثابت حيدرة وهو من تربوي قدير ، وأحد أوائل المعلمين في تعز قبل الثورة اليمنية بعشر سنوات، تلقى تعليمه في زبيد والسعودية في العلوم الإسلامية واللغة العربية، وكان من اهم المدرسين في عهد الثورة بمدينة تعز، وتتلمذ على يديه جيل من الكوادر التي لم تنسه حتى اللحظة. وقد توفي العام 2004، في مدينة تعز.

* نشرت هذه المادة في صحيفة الشارع – العدد 22 |بتاريخ 10/11/2007 

هناك تعليقان (2):

  1. حياك الله يافخر أسرة ثابت ، وجعلك الله مثالاً يحتذي به أجيال من بعدك ..

    ردحذف
  2. رهيب يا محمد الحكيمي..
    مطلوب المزيد من التعريف بالشخصيات المؤثرة من ابناء المنطقة وهم كثر..

    (لك وحشة..)

    عبد الله عبد الحليم

    ردحذف