التسميات

11 نوفمبر 2013

نافـذون وراء شبكات التسول المُنظم

طفل سوري لاجئ في بيروت - ت: جمانة فرحات

* تحقيق استقصائي إقليمي من اليمن، لبنان، المغرب
فريق التحقيق: محمد الحكيمي، جمانه فرحات، وماجدة بوعزة
 “الله يخليك ساعدني”، ”عطيني مصاري أنا يتيم”، “لو سمحت درهم”، عبارات يسمعها المارة بشكل يومي في شوارع لبنان اليمن والمغرب من أفواه أطفال وافدين إلى هذه البلدان ويتسولون في الأحياء، مستحضرين القصص الانسانية الحزينة للحصول على بعض المال. العديد من المارة يقعون عادة في الفخ… يتعاطفون… يخرجون المال من جيوبهم… يضعونها في يد الطفل المتسول وينصرفون.
لكن ماذا عن الجزء الآخر من القصة، الذي يحجبه الطفل المتسول بذكاء. ماذا لو اكتشفت ان هذا الطفل يتخطى دخله الشهري بأضعاف دخلك الشهري، وأن المال الذي يجنيه طوال اليوم غالباً ما يذهب إلى جيوب رؤوس شبكات منظمة يدير بعضها متنفذين.
في تحقيق استقصائي استغرق شهر ونصف من العمل، وشمل كلاً من المغرب واليمن ولبنان، رصد فريق الاستقصاء اطفال الشوارع وبشكل خاص الأطفال المتسولين الوافدين من خارج البلدان الثلاثة.
تسول أم ابتزاز؟
في شارع الحمرا، أكثر شوارع العاصمة بيروت ازدحاما، تلاحق الطفلة فيروز (وهو اسم مستعار) المارة مرددة على مسامعهم عبارة "الله يخليكم ساعدوني انا من المعضمية -احدى مناطق الحرب السورية-"، لتنجح في جلب النقود من البعض دون آخرين.
الطفلة التي استوقفها فريق الاستقصاء، اكدت انها جاءت إلى لبنان نتيجة الأحداث الدائرة في سوريا. وكان من الصعب عليها تقديم رواية دقيقة عمن يرافقها. تارة تتحدث عن والدها، وتارة عن والدتها. اما الرواية الأخيرة فاستحضرت فيها خالتها، قاصدة بذلك امرأة في الثلاثين من العمر تجلس في زاوية محددة من شارع الحمرا برفقة سيدة أخرى، وتمضيان يومهما في التسول ومراقبة عمل باقي الأطفال الذين يزدحم بهم الشارع منذ قرابة العامين، وهو تاريخ تصاعد الأزمة السورية، واضطرار مئات الآلاف من المدنيين الفرار إلى لبنان.
المشهد نفسه يتكرر تماماً، على بعد بضعة آلاف من الكيلومترات، وتحديداً في اليمن.
"وليد" وهذا ليس أسمه الحقيقي، هو أحد أطفال اللاجئين السوريين الذين فروا لليمن، نتيجة المعارك الدائرة في سوريا، "وليد" الذي لم يتجاوز الخمس سنوات، وجده فريق الاستقصاء، يقف في جولة "عمران" في العاصمة صنعاء، برفقة والدته. 6 ساعات من التسول تعمد خلالها والدته إلى توجيهه للتسول من أصحاب السيارات الفارهة دوناً عن غيرها. عند سؤاله عما أتى به إلى اليمن وكيف بدأ يتسول، لم يكد يبدأ الحديث والقول “انا هنا مع أمي”، حتى سارعت والدته إلى اللحاق به لمنعه عن الكلام.
ويقول أحمد عبدالكريم، بائع في احدى البقالات في المنطقة، إن أعداد المتسولات السوريات اللواتي يصطحبن أطفالهن في هذا التقاطع، بدأ يأخذ شكلاً منتظماً منذ قرابة 8 أشهر، بالتزامن مع تزايد أعداد المتسولين من النازحين الذين باتوا يزاحمون اليمنيين وحتى اللاجئين الأفارقة بالتسول في الشوارع.

شاهد: قصة الفيديو التي أعدها فريق التحقيق


شبكات منظمة
مسألة وجود شبكات منظمة تدير المتسولين ليست مجرد وهم كما يعتقد البعض، والدلائل كثيرة. إذا كان المسئولون المغاربة يمتنعون عن التطرق إلى هذه الظاهرة بالرغم من تكرار محاولات فريق الاستقصاء، الحصول على اجابات منهم وتحديداً من وزارة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية، والتي تتبع لها ملحقة الأبطال المكلفة بشؤون الطفل في المغرب، فإن شهادات اللاجئين الأفارقة تختصر المشهد.
متسولة وطفلتها في الرباط - ت: ماجدة بوعزة
حمدو (وهو اسم مستعار)، مهاجر مالي الجنسية، آتى إلى المملكة المغربية عن طريق الخطأ قبل عامين، وهو في عمر الـ15، بعدما وعده أحد سماسرة الاتجار بالبشر بالوصول إلى أوروبا عن طريق التهريب، قبل أن ينتهي به المطاف بالوقوع تحت الاستغلال من طرف أحد اعضاء مافيا التسول.
حمدو أكد أن مشغله وهو مغربي الجنسية، والذي تم القاء القبض عليه قبل فترة، كان يجبره على التسول لتحصيل 200 درهم يومياً (25$)، محدداً له أحد اغنى شوارع العاصمة المغربية كمكان للاستجداء.
وأضاف حمدو: “كنت أتسول خشية من أن أعود بدون أموال، وخصوصاً أنه كان يراقبني، اذ كان يتخذ من العمل في أحد مواقف السيارات وسيلة للإشراف على المتسولين الذين يديرهم في الشارع”.
وعن باقي أصدقاؤه يقول حمدو ان بعضهم يلجأ إلى استخدام أطفاله لضمان استعطاف المارة، فيما كشفت دراسة أنجزتها الجمعية المغربية للدراسات والبحوث حول الهجرة أن 18.8% من المهاجرين الأفارقة يشكل التسول مصدراً لدخلهم.
اما في لبنان، المسئولين الحكوميين لا يترددون في تأكيد وجود شبكات. مكتب المعلومات في قوى الأمن الداخلي، زود فريق الاستقصاء، بإحصائية دقيقة عن موقوفين بتهمة التسول من تاريخ 5/04/2012 إلى 11/10/2013. وتظهر الاحصائية انه تم اعتقال رأسين مدبرين يتوليان تشغيل الأطفال في مهنة التسول. في حين أكد وزير الداخلية اللبناني، مروان شربل في تصريح صحفي في الرابع من ابريل 2012، توقيف 78 مشغلاً، موضحاً أن "المجموعات التي تستغل الاطفال تقوم باستئجارهم من اهلهم ويدفعون لهم سلفا مبلغاً معيناً عن الطفل ومن ثم يحضرونهم بشاحنات صغيرة ويقومون بتوزيعهم على الاراضي اللبنانية ليقوموا في نهاية اليوم بتفتيشهم وأخذ الاموال التي قاموا بتحصيلها من التسول ومن ثم يقومون بإرجاعهم الى أهلهم".
وبينما لا تفصل احصاءات الدولة اللبنانية بين جنسيات الأطفال المتسولين، أوضح مدير جمعية بيت الرجاء المتخصصة في استقبال أطفال الشوارع، ماهر الطبراني، لفريق الاستقصاء، بحكم خبرته ومعايشته لقرابة 500 طفل سوري استقبلهم المركز منذ بداية الأزمة في بلادهم، أنه "من النادر رؤية شخصاً لبنانياً يعمل على الطريق ضمن شبكة"، مضيفاً "الذين يعملون ضمن الشبكات عادة هم السوريون الذين يأتون إلى لبنان ولا يعرفون أحداً، وأن هناك اناس يستغلونهم ويأخذون منهم الأموال حتى يستفيدوا".
الأدلة على استغلال الأطفال الوافدين، تنسحب أيضاً على اليمن. رئيس منظمة أكناف للطفولة والشباب في صنعاء، فضل القدسي، أكد لفريق الاستقصاء، "وجود عصابات تستغل اللاجئين وأنها تعمل بطريقة منظمة وحذرة يقف وراءها نافذين، وهي تعمل على توظيف صغار السن، بعضهم يتم اختطافهم، أو الاتفاق مع أسرهم مقابل منحهم مبلغ مالي من تسول أطفالهم".
عادل دبوان -الشئون الاجتماعية.اليمن
ومطلع نوفمبر 2013، أعلن مركز الإعلام الأمني التابع لوزارة الداخلية اليمنية أن شرطة "قاع القيضي" التابعة لمحافظة صنعاء أحالت 5 متهمين إلى النيابة اغتصبوا أطفالًا وقاموا بتصويرهم. وبحسب الداخلية اليمنية، فإن المتهمين كانوا يشكلون عصابة لاغتصاب الأطفال وتصويرهم بالهاتف ومن ثم ابتزاز أهاليهم، من أجل استغلال أطفالهم في جرائم أبرزها التسول.
في حين تقود تصريحات مدير الدفاع الاجتماعي بوزارة الشئون الاجتماعية، عادل دبوان، إلى الاستنتاج نفسه. حيث أكد الأخير في تصريحات صحافية سابقة أن "تسول الاطفال والنساء من اللاجئين السوريين في اليمن، يدخل طوراً جديداً هو طور الاتجار بالبشر، ليصبح منظماً وضمن عصابات ومجاميع تدار عن بعد بإشراف أشخاص لا يراهم أحد على جانب المتسولين”.
ما هو مؤكد أن هذه الشبكات موجودة منذ زمن، لكنها وجدت في السوريين الوافدين فرصة لتعزيز عملها مستغلة في معظمة الأحيان الحماية المتوفرة لها.
نافذون متورطون
رئيس منظمة أكناف للطفولة والشباب، كشف لفريق الاستقصاء، أن أحد المعنيين في جهاز الشرطة، تابع قضية احدى شبكات التسول بعد القاء القبض على أفرادها، الأمر الذي عرضه لضغوط كثيرة من أجل التوقف عن التوسع في التحقيق وإغلاق الملف، بعدما أظهرت الدلائل تورط "شخص معين"، رفض القدسي اعطاء المزيد من التفاصيل حول هويته او منصبه، وأحالنا إلى الضابط المعني للتحقق من صحة ما أدلى به.
رئيس منظمة أكناف للطفولة، فضل القدسي- ت: م.الحكيمي

الضابط نفسه أكد صحة الأمر، لكنه رفض ذكر اسمه خوفاً من تعرضه للأذى، مشيراً إلى "تعرضه لضغوط من كثيرين من أجل إطلاق سراح شبكة من المتسولين كان قد تولى عملية القبض عليها" بحسب قوله.
ما يقوله ضابط الشرطة، يكشف عن جانب كبير من تضارب المصالح لنافذين استغلوا نفوذهم من أجل الابقاء على مصالحهم من وراء عمل هذه الشبكات. وبعيداً عن ذلك، تبدو عملية اعتقال أفراد هذه الشبكات، عاجزة عن ايقاف مهنة التسول، فسرعان ما سيتم اطلاق سراحهم، بسبب ضعف العقوبات في لبنان والمغرب واليمن على حد سواء.

ثـغـرات في القوانين

يشترك اليمن، مع المغرب ولبنان، في عدم وجود عقوبات قاسية تجاه المتسولين او الذين يديرونهم. فالمادة 203 من قانون الجرائم والعقوبات اليمني، في الباب السابع تنص على أن "يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على 6 أشهر من اعتاد ممارسة التسول، في اي مكان اذا كان لديه او في امكانه الحصول على وسائل مشروعة للتعيش، وتكون العقوبة الحبس تزيد على سنة اذا رافق الفعل التهديد”.
تكمن المشكلة في اليمن مثلاً، في كون المتسول الذي يتم ضبطه، اعتاد على ترديد أنه كان يتسول للمرة الأولى، وهو ما يتيح لكثيرين الافلات من العقوبة.
أما في المغرب، فتنص المادة 327 من القانون الجنائي المغربي على أن يعاقب من ثلاثة أشهر حبساً إلى سنة فقط كل متسول، حتى لو كان ذا عاهة أو معدماً استجدى بعدد من الوسائل بينها استصحاب طفل صغير. كما تنص المادة 328 على أن يعاقب بالعقوبة نفسها من يَستخدم في التسول، صراحة أو تحت ستار مهنة أو حرفة ما، أطفالاً يقل سنهم عن ثلاثة عشر عاماً؟ لكن الملاحظ أن كل هذه النصوص تطبق على المغاربة دون اللاجئين بهذا البلد.
الثغر نفسه تقريباً في لبنان، فالعقوبة وفقاً للمادة 618 من قانون العقوبات تقتصر على الحبس من ستة أشهر الى سنتين وبالغرامة من 20 ألفاً الى مائتي ألف ليرة، من دفع قاصراً دون الثامنة عشرة من عمره الى التسول جراً لمنفعة شخصية.
وتبدو هذه العقوبات غير ذي جدوى أمام حجم الانتهاكات التي يتعرض لها الأطفال نتيجة تواجدهم في الشارع. كما أن هذه العقوبات تبدو هامشية أمام حجم الأموال التي يمكن جنيها يومياً من ادارة شبكة تسول في البلدان الثلاثة.

تجارة تــدر ذهـبـاً

هذا التراكم لا يقـل وفقاً لما يقر به مثلاً أغلب المتسولين اللبنانيين الذين التقاهم فريق الاستقصاء، عن 50 ألف يومياً (33$) ليرتفع بحسب مناطق التسول وعدد الساعات وحتى الأيام إلى الضعف وأكثر، وخصوصاً يوم الجمعة حيث تزدحم أبواب الجوامع بالمتسولين بمن فيهم الأطفال. وهو الأمر الذي يتكرر أيضا في المغرب وإن بمبالغ أقل وكذلك في اليمن.


بناءاً على شهادات أكثر من طفل متسول سواء في لبنان اليمن والمغرب، فإن اجراء عملية حسابية تقديرية لحجم الأموال المتفقدة من جيوب المارة إلى أيدي الأطفال المتسولين ومن ثم الشبكات التي تديرهم يصبح ممكناً.
تم افتراض وجود 2000 متسول في كل بلد من البلدان الثلاث بالرغم من تدني هذا الرقم، واعتبار متوسط الدخل 25 $ يومياً، سيتبين أن تجارة التسول تدر ما لايقل عن 50 ألف دولار في اليوم في كل بلد، ما يعني مليون ونصف دولار شهريا، مع العلم أن المبلغ قد يكون أعلى بكثير.
هيثم، وهو اسم مستعار لطفل سوري عمره 10 سنوات جاء الى لبنان قبل عامين بسبب الأزمة السورية، يتراوح مدخوله اليومي بين 150 و200 ألف ليرة لبنانية (اي بين 100 و133 دولار). مبلغ اكد لنا هيثم، بصوته الذي بالكاد كان يمكن سماعه، أنه يجنيه من خلال بيع الورود في الشارع، منكراً انه يتسول بالرغم من أن القانون اللبناني يدرج بيع الورود لاستجداء المال في خانة التسول. وإن كان المبلغ مغري ويتخطى اي مدخول يمكن ان يحصل عليه المواطن من أي مهنة قانونية، فإنه بالنسبة لهيثم له عواقبه ليس أقلها ما تعرض له مراراً من ضرب من قبل رجال البلدية الذي كانوا يضربونه بسلك كهربائي لإبعاده فيغيب قليلا ليعود إلى أن وقع أخيراً في قبضة القوى الأمنية.
لكن شبكات التسول وكذلك بعض الأهالي يرون في المردود المالي مكسباً لا يمكن الاستغناء عنه، الأمر الذي يدفعهم لإجبار الأطفال على تحمل أي مخاطر، مستفيدين في الوقت نفسه من تراخي الدول الثلاثة عن معالجة هذه الظاهرة في ظل وجود ثغرات قانونية عديدة ينبغي معالجتها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*أنجز هذا التحقيق بإشراف من: المركز الدولي للصحافيين في واشنطن ICFJ


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق